جان لوئيس بوركهارت

11

رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان

على مياه النيل في مصر في أثناء الشتاء حين تبلغ التحاريق أقصاها . ولا يسقط المطر على وادى النيل في النوبة ، فيما خلا شآبيب خفيفة ، ولكن هناك فصلا منتظما للمطر على الجبال الشرقية حتى السويس ، وتنمو على هذا المظر الأعشاب البرية الوافرة والمراعى التي تنتجعها ماشية البدو القاطنين تلك الأصقاع . وقد ذكرت في يومياتى عن فلسطين ظاهرة شبيهة بهذه في جبال شرقي فلسطين ، فقلما يسقط المطر على وادى الأردن أو الغور ، في حين أن للجبال على ضفتيه فصلا مطيرا منتظما . وقدم لنا مضيفنا في أبو هور هذا المساء « العصيدة » وهي سنابل خضراء من الشعير مسلوقة في الماء ومخلوطة باللبن . 26 فبراير - يقطع المسافر وادى أبو هور في نحو ثلاثة أرباع الساعة . ومررنا بقرية دندور بعد مسيرة ساعتين ، وبوادي أبيض بعد ثلاث ساعات ونصف وما زال السهل على ضيقه الشديد . وقد أقام سكان النوبة الأقدمون جسورا من الحجر تمتد عشرين أو ثلاثين ياردة في عرض النهر لينتزعوا منه رقعة من الأرض . وهذه الجسور تكسر من حدة التيار فتخلف شمالها مساحة صغيرة من الأرض لا تغمرها المياء . وكثير من هذه الجسور لا يزال باقيا ولكنه متهدم . وقد لاحظت وجود جسور مماثلة على الضفة الغربية للنهر تجاه الجسور الشرقية تماما . ومررنا بمارية ( مريم ) بعد أربع ساعات ونصف ، وبقرشة بعد خمس واجتزت خرائب مدينة قديمة أرجح أنها مدينة عربية ، بعضها مبنى بالآجر وبعضها بالحجارة الصغيرة . ويروى الأهالي أن ملكا يدعى دبقورا كان يملك فيها . والوادي عند فرشه أعرض منه في أي مكان جنوبي أسوان ، ويبلغ الميل عرضا . وقرشة فقيرة في السكان كسائر القرى التي مررت بها حتى الآن ، فثلثا منازلها مهجور . وقد خرب الإقليم المماليك الذي سكنوه شهورا أثناء تقهقرهم أمام جيوش محمد على التركية ، والقليل الذي أبقوا علية أتى عليه الجنود الترك الذين يقودهم إبراهيم بن محمد على ، الذي أفلح أخيرا في طرد المماليك من النوبة فعبروا الجبال إلى سهول دنقلة ، وقد فشت بعد تقهقرهم مجاعة رهيبة هلك فيها ثلث سكان النوبة من الفاقة والحرمان ، أما الباقون فلاذوا بمصر ، وأقاموا بالقرى الواقعة بين أسوان وإسنا حيث هلك منهم بالجدرى خلق كثير . ولم يعد السكان